فخر الدين الرازي
466
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الانفطار : 19 ] لا يقال : فعلى هذا التقدير لا يبقى لتخصيص الظالمين بهذا الحكم فائدة ، لأنا نقول : بل فيه فائدة لأنه وعد المؤمنين المتقين في الدنيا بالفوز بالثواب والنجاة من العقاب ، فلهم يوم القيامة هذه الحجة . أما الفساق فليس لهم ذلك ، فصح تخصيصهم بنفي الأنصار على الإطلاق . الثالث : أن هذه الآية عامة وواردة بثبوت الشفاعة خاصة والخاص مقدم على العام واللّه أعلم . المسألة الثانية : المعتزلة تمسكوا في أن الفاسق لا يخرج من النار ، قالوا : لو خرج من النار لكان من أخرجه منها ناصرا له ، والآية دالة على أنه لا ناصر له البتة . والجواب : المعارضة بالآيات الدالة على العفو كما ذكرناه في سورة البقرة . النوع الثالث : من دعواتهم . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 193 ] رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ ( 193 ) [ في قوله تعالى رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ] في الآية مسائل : المسألة الأولى : في المنادي قولان : أحدهما : أنه محمد عليه الصلاة والسلام وهو قول الأكثرين ، والدليل عليه قوله تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ [ النحل : 125 ] وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ [ الأحزاب : 46 ] أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ [ يوسف : 108 ] والثاني : أنه هو القرآن ، قالوا إنه تعالى حكى عن مؤمني الانس ذلك كما حكى عن مؤمني الجن قوله : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [ الجن : 1 ، 2 ] قالوا : والدليل على أن تفسير الآية بهذا الوجه أولى لأنه ليس كل أحد لقي النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أما القرآن فكل أحد سمعه وفهمه ، قالوا : وهذا / وان كان مجازا إلا أنه مجاز متعارف ، لأن القرآن لما كان مشتملا على الرشد ، وكان كل من تأمله وصل به إلى الهدى إذا وفقه اللّه تعالى لذلك ، فصار كأنه يدعو إلى نفسه وينادي بما فيه من أنواع الدلائل ، كما قيل في جهنم : تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى [ المعارج : 17 ] إذ كان مصيرهم إليها ، والفصحاء والشعراء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ ، ومرادهم منها دلالة تصاريف الزمان ، قال الشاعر : يا واضع الميت في قبره * خاطبك الدهر فلم تسمع المسألة الثانية : في قوله : يُنادِي لِلْإِيمانِ وجوه : الأول : ان اللام بمعنى « إلى » كقوله : ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ [ المجادلة : 8 ] ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا [ المجادلة : 3 ] بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [ الزلزلة : 5 ] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [ الأعراف : 43 ] ويقال : دعاه لكذا وإلى كذا ، وندبه له واليه ، وناداه له وإليه ، وهداه للطريق واليه ، والسبب في إقامة كل واحدة من هاتين اللفظتين مقام الأخرى : أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص حاصلان جميعا . الثاني : قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير ، أي سمعنا مناديا للايمان ينادي بأن آمنوا ، كما يقال : جاءنا منادي الأمير ينادي بكذا وكذا . والثالث : أن هذه اللام لام الأجل والمعنى : سمعنا مناديا كان نداؤه ليؤمن الناس ، أي كان المنادي ينادي لهذا الغرض ، ألا تراه قال : أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ أي لتؤمن الناس ، وهو كقوله : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ النساء : 64 ] . المسألة الثالثة : قوله : سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي نظيره قولك : سمعت رجلا يقول كذا ، وسمعت زيدا يتكلم ، فيوقع الفعل على الرجل ويحذف المسموع ، لأنك وصفته بما يسمع وجعلته حالا عنه فأغناك عن ذكره ،